ابن الجوزي

363

زاد المسير في علم التفسير

الشرف ، وإن لم يصبر ، فله الرخصة ، فظاهر هذا ، الجواز . وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال : إنما التقية في القول . فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك . فأما إذا أكره على الزنا ، لم يجز له الفعل ، ولم يصح إكراهه ، نص عليه أحمد . فإن أكره على الطلاق ، لم يقع طلاقه ، نص عليه أحمد ، وهو قول مالك ، والشافعي . وقال أبو حنيفة : يقع . قوله تعالى : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ) في المشار إليه بذلك قولان : أحدهما : أنه الغضب والعذب ، قاله مقاتل . والثاني : أنه شرح الصدر للكفر . و " استحبوا " بمعنى : أحبوا الدنيا واختاروها على الآخرة . قوله تعالى : ( وأن الله ) أي : وبأن الله لا يريد هدايتهم . وما بعد هذا قد سبق شرحه إلى قوله : ( وأولئك هم الغافلون ) ففيه قولان . أحدهما : الغافلون عما يراد بهم ، قاله ابن عباس . والثاني : عن الآخرة ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( لا جرم ) قد شرحناها في هود . قوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال : أحدها : أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . والثاني : أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة ، فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة ، فنزل فيهم ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) ، فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فخرجوا ، وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا ، وقتل من قتل ، فنزلت فيهم هذه الآية ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثالث : أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كان الشيطان قد أزله حتى لحق بالكفار ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح ، فاستجار له عثمان بن عفان ، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا مروي عن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وفيه بعد ، له لأن المشار إليه وإن كان قد عاد إلى الإسلام ، فإن الهجرة انقطعت بالفتح .